الشيخ محمد هادي معرفة

43

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

المباركة ، فنزلت تأمينا على بثّ الدعوة وانتشارها رغم أنوف المناوئين . ولم يكن صلى الله عليه وآله يخاف على نفسه ، إنّما على دعوته إلى الإسلام من مناوشة جنود إبليس . ( ومنها ) قوله : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » . « 1 » لم يكن صلى الله عليه وآله يخشى على نفسه الكريمة ، إنّما على تأثير بلاغة ، فربّما كان الإبلاغ بالوصاية وتعيين ابن‌عمّه علي عليه السلام خليفةً وأميرا للمؤمنين من بعده ربّما أثار ضغائن القوم فينقلبوا على أعقابهم مرتدّين ، فيهدر كلّ ما عمله لبناء الإسلام لحدّ ذاك . ومن ثمّ جاءت الآية تؤمّنه على كبت ذوي الأحقاد دون أن يستطيعوا من مقابلته بشيء . فالمراد : عصمة دينه وشريعته من الزعزعة والزوال . ( ومنها ) قوله : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ » . « 2 » لم يكن الأنبياء صلوات اللّه عليهم يتمنّون سوى ثبات شرايعهم وسيطرتها على الآفاق ودوام حكومتها عبر التاريخ . ولكن أنّى ودسائس أبالسة الجنّ والإنس من الّذين يسعون في آياته معاجزين ، لكن الحقّ - دائما - يعلو ولا يُعلى عليه : « بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ » . « 3 » فينسخ اللّه - بلطفه الخفيّ - ما يلقي جنود إبليس ، ثمّ يحكم مباني شريعته ، واللّه عليم حكيم . وهذا تأمين عام ، لثبات الدين ودوام تأثير شرايع اللّه في الأرض . ( ومنها ) قوله : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » . « 4 »

--> ( 1 ) - المائدة 67 : 5 . ( 2 ) - الحج 52 : 22 . ( 3 ) - الأنبياء 18 : 21 . ( 4 ) - القيامة 16 : 75 - 19 .